لقد جرت في هذه الدار وأشار إلى دار هناك، قضية عجيبة، قلت: وما هي؟ قال: كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخز، فاتفق أنه جعل جميع ما معه من الخز في خرج وحمله على حماره وسار مع القافلة، فلما نزلت القافلة أراد إنزال الخرج عن الحمار فثقل عليه فأمر إنسانا هناك فأعانه على إنزاله، ثم جلس يأكل فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه فسأله عن أمره فأخبره أنه من أهل الكوفة وأنه خرج لحاجة عرضت له بغير نفقة ولا زاد، فقال له الرجل: كن رفيقي آنس بك وتعينني على سفري ونفقتك ومؤنتك عليّ، فقال له الرجل: وأنا أيضا أختار صحبتك وأرغب في مرافقتك، فسار معه في سفره وخدمه أحسن خدمة إلى أن وصلا إلى تكريت، فنزل الرفقة خارج المدينة ودخل الناس إلى قضاء حوائجهم، فقال التاجر لذلك الرجل: احفظ حوائجنا حتى أدخل المدينة وأشتري ما نحتاج إليه، ثم دخل المدينة وقضى جميع حوائجه ورجع فلم يجد القافلة ولا صاحبه، ورحلت الرفقة ولم ير أحدا فظن أنه لما رحلت الرفقة رحل ذلك الخادم معهم فلم يزل يسير ويجد في السير في المشي إلى أن أدرك القافلة بعد جهد عظيم وتعب شديد، فسألهم عن صاحبه فقالوا ما رأيناه ولا جاء معنا ولكنه ارتحل على أثرك فظننا أنك أمرته، فكرّ الرجل راجعا إلى تكريت وسأل عن الرجل فلم يجد له أثرا ولا سمع له خبرا، فيئس منه ورجع إلى الموصل مسلوب المال فوصلها نهارا فقيرا جائعا عريانا مجهودا فاستحى أن يدخلها نهارا فتشمت به الأعداء، نعوذ بالله من شماتتهم، وخشي أن يحزن الصديق إذا رآه على تلك الحالة، فاستخفى إلى الليل ثم عاد إلى داره فطرق الباب فقيل له: