وهذا استفهام معناه: التقرير، كأنه قيل لهم: لم تحبون أكل لحم أخيكم ميتاً؟ وعطف قوله (فكرهتموه) على معنى لفظ الاستفهام، كما قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} [الشرح: 1، 2] فقوله: {وَوَضَعْنَا} : عطف على معنى: {أَلَمْ نَشْرَحْ} لا على لفظه، ألا ترى أنه لا يقال: ألم وضعنا, ولكن معنى (ألم نشرح) لا على لفظه ولكن معنى (ألم نشرح) قد شرحنا، فعطف على معناه، كذلك هذه الآية، قاله المبرد وقال الفراء: قوله: فكرهتموه أي: فقد كرهتموه فلا تفعلوه.
قال صاحب"النظم": التأويل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً وقد كرهتم ذلك، أي: فاكرهوا الغيبة أيضًا، فإنها مثل أكلكم لحوم أخوانكم.
وقال مجاهد: لما قيل لهم (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟) ، قالوا: لا، فقيل: فكرهتموه أي: فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً، وشرح أبو علي الفارسي هذا الوجه فقال: الفاء في قول: {فَكَرِهْتُمُوهُ} عطف على المعنى، كأنه لما قيل لهم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، قالوا: لا، فقيل لهم لما قالوا لا: فكرهتموه، أي: كرهتم أكل لحمه ميتاً، فكذلك فاكرهوا غيبته.
قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} معطوف على هذا الفعل المقدر، ولا يكون قوله (فكرهتموه) بمعنى فاكرهوه واتقوا الله؛ لأن لفظ الخبر لا يوضع للأمر في كل موضع، ولأن قوله فكرهتموه محمول على المعنى الذي ذكرنا، فمعنى الخبر فيه صحيح.
قال مقاتل: واتقوا الله في الغيبة {إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ} علي من تاب {رَحِيمٌ} به.