قال غيره: إذا كان الغلام حازماً في الخلاء، فظيع اللسان في الملاء، يبغض التعليم، ويوارب المعلم، ويقدم أباه على أمه، ويؤخِّر خاله على عمه، وكنيته أحبُّ إليه من اسمه، فإنه يرجى خيره وينتظر عزّه.
وقال ابن الزيّات: إذا رأيت الصبي يحب عاجل المكروه من غير أن يعرف عاجل المنفعة فهو مضعوف، قاله إذ رأى ابنه عمر يحب الكتاب فاغتّم له، فسئل عن ذلك، فقال ما ذكرنا، قال أبو عمر رضي الله عنه: قوله عندي هذا ليس بشيء.
وقال غيره: يستدل على نجابة الصبي بشيئين الحياء وحبّ الكرامة، أما الحياء فهو خير كله، وأما حب الكرامة فيدعو إلى اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل.
قال عمرو بن العاص: أنا للبديهة ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لصغار الأمور وكبارها.
أراد يوسف بن عمر بن هبيرة أن يولّي بكر بن عبد الله المزنيّ القضاء، فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أصلح الله الأمير، ما أحسن القضاء، فإن كنت كاذباً فلا يحلّ لك أن تولّي الكاذبين، وإن كنت صادقاً، فلا يحل أن تولّي من لا يحسن.
قال رجل من الأعراب ضرير النظر لابنته، وهي تقوده في المرعى: يا بنية انظري كيف ترين السماء؟ قالت كأنها قرون المعزي.
قال: ارعي. فرعت ساعة، فقال: انظري كيف ترين السماء؟ قالت كأنها خيل دهم تجرّ جلالها.
قال: ارعي. فرعت ساعة ثم قال: انظري كيف ترين السماء؟ قالت: كأن الرباب نعام تعلق بالأرجاء من السماء، قال: ارعي. ثم قال: انظري كيف ترين السماء؟ قالت. أبيضت واسودت ودنت فكأنها عين نفسٍ تطرف. قال: انجي ولا أراك ناجية.
قال الشاعر:
أكلُّ وميض بارقةٍ كذوب ... أما في الدَّهر شيءٌ لا يريب
أشار ضيف لقوم إلى بنت لهم لتقبله، فقالت والله إني إذاً لطويل العنق. فسمعها الشيخ، فقال: أشار والله إليها لتقبله.
للبيد أو للبعيث:
لعمرك ما تدري الطّوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع
انتهى انتهى {بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر} ...