لكن الهدى في الواقع غير ذلك، الهدى مطيّة تحملك إلى غايتك، فأنت على هدى يعني مُستْعل عليه تركبه ليوصِّلك، فالمنهج وإنْ كان في ظاهره يقيد حركتك، إلا أنه يُقيدها لصالحك أنت ويقف ضد شهواتك لصالحك أنت.
المنهج حين يقيد يدك عن السرقة يقيد يد الناس جميعاً، أنْ تسرق منك، وحين يأمرك بغضِّ البصر عن محارم الناس يأمر الناسَ جميعاً بغضِّ البصر عن محارمك. إذن: أنت الفائز في هذه المسألة. المنهج يقيد حركتك عن شهوة عاجلة في الدنيا ليعطيك نعيماً باقياً في الآخرة.
وقوله: {وَدِينِ الْحَقِّ ..} [الفتح: 28] أي: الإسلام، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ..} [الفتح: 28] يُعليه ويُعلي كلمته على كل الأديان التي سبقتْه، لأن القرآن جاء مهيمناً على كل هذه الكتب، كما قال تعالى:
{وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ..} [المائدة: 48] .
والظهور هنا ظهور حجة وبرهان، وظهور كمال في التعاليم وفي المنهج، وهذا لا يمنع وجود ديانات أخرى ما زالتْ حتى الآن وبعد أربعة عشر قرناً من الإسلام.
لذلك سُئلنا هذه السؤال في إحدى سفرياتنا، فقلنا {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ..} [الفتح: 28] لا تعني أنْ يكون الناسُ جميعاً مسلمين، لأن الظهور هنا ظهور تعاليم، وحدث هذا بشهادتكم أنتم فقد ألجأتكم قضايا الحياة إلى منهج الإسلام حيث لا حلَّ لكم إلا فيه.
لذلك رأيناهم يأخذون مثلاً بأحكام الطلاق في الإسلام، وهذا إظهار للدين لأنهم أخذوا تعاليمه دون أنْ يؤمنوا به، كذلك في مسألة تعدد الزوجات كانوا يهاجمونها ويتعرضون عليها والآن ينادون بها.
والعجيب أنهم يرضوْنَ بتعدد الخليلة يعني العشيقة، ولا يرضون بتعدد الحليلة أي الزوجة، وهذا فساد في الطبع والذوق وتصرُّف تأباه الشرائع.
كذلك في الناحية الاقتصادية، لما تكلَّم (كِنز) ملك الاقتصاد عندهم انتهى إلى القول بأن المال لا يؤدي وظيفته الاجتماعية في الكون إلا إذا انخفضتْ الفائدة إلى صفر، وهذا هو رأي الإسلام.
لذلك حرَّم التعامل بالربا لأن الربا عملية بين غني وفقير، غني عنده فائض يُقرض، وفقير مُعدم يقترض، فكيف نطلب من الفقير الذي لا يملك الأصل أنْ يعطي الغني الذي يملك الأصل وزيادة.