كلمة {الرُّءْيَا بِالْحَقِّ ..} [الفتح: 27] الحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير، فما دام أن الله أراه الرؤيا فلا بدَّ أنْ تصدُقَ في الواقع، لأن رؤيا الأنبياء حَقٌّ، ونبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت أول ما بدأت بالرؤيا الصادقة، وقد مكث رسول الله في مرحلة الرؤيا هذه ستة أشهر.
فإذا ما قارنّا بين هذه المدة وبين مدة 23 سنة هي عمر بعثته صلى الله عليه وسلم وجدناها 1/ 46، لذلك ورد في الحديث الشريف"أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة"، وبدأ النبوة بالرؤيا الصالحة لأنها تأتي والإنسان نائم، وليس له خواطر خاصة في شهوة أو خلافة.
وقوله تعالى: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 27] أي: جعل من بعد صلح الحديبية ورجوعهم بدون عمرة فتحاً قريباً للإسلام وللمسلمين.
وهذا الفتح من عدة وجوه: أولاً الهدنة مع قريش والتصالح معها، وهذا التصالح أعطى فرصة لنشر الدعوة خارج مكة، حيث تفرَّغ المسلمون لذلك بعد أنْ أمنوا جانب قريش.
وهذا يعني أيضاً الاعتراف بمحمد وبدعوته واحترام العهد معه، فقد أصبح للإسلام كلمة تُسمع بعد أنْ كان مضطهداً.
ثم كان هذا الصلح عزة للمسلمين، كما قال تعالى
{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ..} [الفتح: 26] كلمة الله هي كلمة (لا إله إلا الله) ، لذلك قال فيها
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..} [الحجرات: 13] فالكرامة هنا، وإياكم أنْ تظنوا أن قريشاً حين تصدكم عن المسجد الحرام أن هذا يعني عزة لها، أبداً لأن العزة لله والكرامة عند الله بالتقوى، لا بالطيش والغرور بالقوة الكاذبة.
والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصُّلح يُعطينا درساً في الحنكة السياسية، فقد قبل الصلح مع الكفار، وقبل أن يعود هو وأصحابه دون دخول مكة هذا العام وهم على مقربة منها، لأن في ذلك صالح المسلمين والإسلام، حتى إنه في أثناء المعاهدة تنازل عن أشياء ما كان أحد يظن أنه يتنازل عنها.