«عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ يَتَوَضَّأُ مِنْهَا، إِذْ جَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَنَا مَاءٌ نَشْرَبُ، وَلَا مَا نَتَوَضَّأُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَمْثَالَ الْعُيُونِ، فَشَرِبُوا وَتَوَضَّئُوا، وَكَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ»
وَهَذِهِ غَيْرُ قِصَّةِ الْبِئْرِ.
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَصَابَهُمْ لَيْلَةً مَطَرٌ، فَلَمَّا صَلَّى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟""
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ:"أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَب»."
[فصل في ما جرى عليه صلح الحديبية]
وَجَرَى الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنْ يَأْمَنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَدِمَهَا وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، وَأَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِسِلَاحِ الرَّاكِبِ وَالسُّيُوفُ فِي الْقِرَبِ، وَأَنَّ مَنْ أَتَانَا مِنْ أَصْحَابِكَ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ، وَمَنْ أَتَاكَ مِنْ أَصْحَابِنَا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُعْطِيهِمْ هَذَا؟ فَقَالَ: «مَنْ أَتَاهُمْ مِنَّا فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَتَانَا مِنْهُمْ فَرَدَدْنَاهُ إِلَيْهِمْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» .
وَفِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِدْيَةَ الْأَذَى لِمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِالصِّيَامِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوِ النُّسُكِ فِي شَأْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.