وقوله: {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} العامَّةُ على الإِفراد. وابنُ أبي عبلةَ"حُجُبٍ"جمعاً. وهذا الجارُّ يتعلَّقُ بمحذوفٍ تقديرُه: أو يُكَلِّمَه مِنْ وراء حجاب. وقد تقدَّم أن هذا الفعلَ معطوفٌ على معنى وَحْياً أي: إلاَّ أَنْ يوحيَ أو يكلِّمَه. قال أبو البقاء:"ولا يجوزُ أَنْ تتعلَّق"مِنْ"ب"يُكَلِّمَه"الموجودةِ في اللفظِ؛ لأنَّ ما قبل الاستثناءِ لا يعملُ فيما بعد إلاَّ"، ثم قال:"وقيل:"مِنْ"متعلِّقةٌ ب"يُكلِّمه"لأنه ظرفٌ، والظرفُ يُتَّسَعُ فيه".
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)
قوله: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب} :"ما"الأولى نافيةٌ، والثانيةُ استفهاميةٌ. والجملةُ الاستفهامية معلِّقَةٌ للدِّراية فهي في محلِّ نصبٍ لسَدِّها مَسَدَّ مفعولَيْنِ. والجملةُ المنفيةُ بأَسْرِها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الكافِ في"إليك". قوله:"جَعَلْنَاه"الضميرُ يعودُ: إمَّا ل"رُوْحاً"وإمَّا ل"الكتاب"وإمَّا لهما؛ لأنَّهما مَقْصَدٌ واحدٌ فهو كقولِه: {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] .
وقرأ ابن حوشب"لتُهْدَى"مبنياً للمفعول. وابن السَّمَيْفَع"لتُهْدي"بضم التاء وكسر الدال مِنْ أهْدَى.
قوله:"نَهْدِي"يجوز أَنْ يكونَ مُسْتأنفاً، وأن يكونَ مفعولاً مكرَّراً للجَعْل، وأَنْ يكونَ صفةً ل"نُوْراً".
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
قوله: {صِرَاطِ الله} : بدلٌ مِنْ"صراطٍ"قبلَه بدلُ كلٍ مِنْ كلٍ، معرفةٍ مِنْ نكرة. والله أعلم. انتهى انتهى. {الدر المصون حـ 9 صـ 651 - 669}