وأمَّا الثانيةُ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدُها: أَنْ يُعْطَفَ على المضمرِ الذي يتعلَّقُ به {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} إذ تقديرُه: أو يُكَلِّمه مِنْ وراءِ حجابٍ . وهذا الفعلُ المقدَّر معطوفٌ على"وَحْياً"والمعنى: إلاَّ بوَحْي أو إسماعٍ مِنْ وراءِ حجاب أو إرسالِ رسولٍ . ولا يجوزُ أَنْ يُعَطفَ على"يكلِّمَه"لفسادِ المعنى . قلت: إذ يَصيرُ التقديرُ: وما كان لبشَرٍ أن يُرْسِلَ اللَّهُ رسولاً ، فَيَفْسُدُ لَفْظاً ومعنى . وقال مكي:"لأنَّه يَلْزَم منه نَفْيُ الرسلِ ونفيُ المُرْسَلِ إليهم".
الثاني: أَنْ يُنْصَبَ ب"أنْ"مضمرةً ، وتكونَ هي وما نَصَبَتْه معطوفَيْن على"وَحْياً"و"وَحْياً"حالٌ ، فيكونَ هنا أيضاً [حالاً: والتقدير: إلاَّ مُوْحِياً أو مُرْسِلاً] . وقال الزمخشري:"وَحْياً وأَنْ يُرْسِلَ مصدران واقعان موقعَ الحال ؛ لأنَّ أَنْ يُرْسِلَ في معنى إرسالاً . و {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} ظرفٌ واقعٌ موقعَ الحالِ أيضاً ، كقوله: {وعلى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] . والتقدير: وما صَحَّ أَنْ يُكَلَّم أحداً إلاَّ مُوْحياً أو مُسْمِعاً مِنْ وراءِ حجاب أو مُرسِلاً". وقد رَدَّ عليه الشيخُ: بأنَّ وقوعَ المصدرِ موقعَ الحالِ غيرُ منقاسٍ ، وإنما قاسَ منه المبردُ ما كان نوعاً للفعلِ فيجوزُ:"أتيتُه رَكْضاً"ويمنعُ"أَتَيْتُه بكاءً"أي: باكياً .
وبأنَّ"أَنْ يُرْسِلَ"لا يقعُ حالاً لنصِّ سيبويه على أنَّ"أَنْ"والفعلَ لا يَقَعُ حالاً ، وإن كان المصدرُ الصريحُ يقع حالاً تقولُ:"جاء زيد ضَحِكاً"، ولا يجوز"جاء أَنْ يضحكَ".
الثالث: أنَّه عطفٌ على معنى"وَحْياً"فإنَّه مصدرٌ مقدَّرٌ ب"أنْ"والفعلِ . والتقديرُ: إلاَّ بأَنْ يوحيَ إليه أو بأَنْ يُرْسِلَ ، ذكره مكي وأبو البقاء .