"قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [المائدة: 15، 16] .
وهذا النوع من الهداية هو الذي نَفَاه الله عن نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم:"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [القصص: 56] ،"إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ" [النحل: 37] .
وهذا النوع من الهداية يستَلزِم أمرَيْن:
أحدهما: فعْل الربِّ تعالى، وهو الهدى بخلْق الداعية إلى الفعْل والمشيئة له.
الثاني: فعْل العبد، وهو الاهتِداء، وهو نتيجة للفعل الأول"الهدى"؛ قال تعالى:"قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ" [آل عمران: 73] ،"مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا" [الكهف: 17] ، ولا سبيل إلى وجود الأثر الذي هو الاهتِداء مِن العبد إلا بعد وُجود المؤثِّر الذي هو الهداية مِن الله، فإذا لم يحصُل فعْل الله لم يحصُل فعْل العبد، وهذا النَّوْعُ مِن الهداية لا يَقْدِر عليه أحدٌ إلا الله سبحانه، قال أهل الجنة:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ" [الأعراف: 43] .
كما أنَّ هذا النوع مِن الهداية هو الذي نَفَاه القرآنُ عن الظالمين والفاسقين والكاذبين والمسرف المرتاب، وكلُّ آية في القرآن وردَتْ في نفي الهُدَى فيجب حمْلُها على هذا النوع؛ لأن هذا فضْلُه يختصُّ به مَن يشاء مِن عباده، ولا حرج في ذلك.
المرتبة الرابعة: مرتبة الهداية إلى الجَنَّة والنار يوم القيامة: