وهذا شأنُ الله في كلِّ نعمة أنعَمَ بها على عباده إذا كفروا؛ فإنه يَسْلبها منهم بعد أن كانَتْ حظًّا لهم:"ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [الأنفال: 53] ، والقرآن الكريم قد قصَّ علينا ما كان مِن الأُمَم التي أَرسَل اللهُ إليها رسُلًا فلم تستَفِد بهَديِهم؛ فقال يصِف حالهم في نار جهنم:"كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ" [الملك: 8، 9] ، فالذي حدَث مِن الله هو الهداية، وكان مِن العبد التكذيب والضلال، رغم أنه كان في مَقدُورِه أن يَتَّبِع الرسول، ويُؤمِن بما جاء به، وليس ذلك شيئًا خارجًا عن قُدرته أو فوق طاقته، ففي مثل هذه الحالة فإن الله يُخلِّي بين العبد ونفسِه، والنفس بطبعها أمَّارة بالسوء إلا ما رحمَ ربي، فإذا وُكِل الإنسان إلى نفسه قادَتْه إلى الهلاك، وهو بذلك يكُون قد قُطِع عنه تَوفِيقُه، ولم يُرِد اللهُ أن يُعِينَه على نفسه ليُقبِل العبدُ بقلبه إلى الله، وهو سبحانه إذا فعَل ذلك بأحدٍ مِن خلْقه فليس ظالمًا؛ لأنه لم يَسْلبه حقًّا له، ولم يمنعه مِن الدلالة أو البيان، وهذا في مَقدُور العبد فعْلُه، ولكنَّه حرَمَه التوفيق والسداد عدلًا منه في خلْقه.
المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام والمعونة:
وهذه المرتبة أَخَصُّ مِن التي قبْلها، فهي هداية خاصَّة تأتي بعد هداية البيان؛ تحقيقًا لقوله تعالى:"وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى" [مريم: 76] ، فلا تكون لملَكٍ مُقرَّب، ولا نبيٍّ مُرسَل، إنما هي خاصَّة بالله وحدَه، فلا يَقْدِر عليها إلا هو، ولا يُعطِيها إلا لِمَن حقَّق شروطها واستَوفَى أسبابها.