والله عزَّ وجلَّ يقول:"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى" [الأعلى: 1 - 3] ، وفيها ذَكَرَ اللهُ أربعة أمور عامَّة وهي: الخلْق، والتسوِيَة، والتقدير، والهداية، وجعَلَ التسوِيَة مِن تَمام الخلْق، والهداية مِن تَمام التقدير، وبذلك تَكُون التسوِيَة والهداية كمالَيْن للخلق والتقدير؛"الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ" [السجدة: 7] .
فالخلق والتسوِيَة يشمَل الإنسان وغيره؛"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة: 29] ،"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا" [الشمس: 7] ، ومِن أمثلة ومعاني الهداية العامَّة الخاصَّة بالتسوِيَة والتقدير للمخلوقات عامَّة: الإنسان والحيوان، والطير والدوابُّ، فإنَّ الله قد خَلَقَ الذكر والأنثى، فهَدَى الذكر للأُنثَى كيف يأتِيها، واختِلاف ذُكران الحيوان لإناثه مُختَلِف لاختِلاف الصوَر والخلْق والهيئات، فلولا أنه سبحانه جعَلَ كلَّ ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جِنسِه لما اهتَدَى لذلك، أو هَداه لِمَعاشِه ومَرعَاه، وكذلك تقديره سبحانه للجَنِين في الرَّحِم، ثم هَداه للخُروج.
وأنواع الهداية كثيرةٌ لا يُحصِيها إلا الله؛ مثل: هداية النحل إلى سلوك السُّبُل التي فيها مَراعِيها على تبايُنِها واختلافها، ثم عَوْدها إلى بيوتها مِن الشجر والجبال وما يَعْرِشُ بنو آدم؛"وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ" [النحل: 68] ، وكذلك هدايته سبحانه للنملة كيف تخرج مِن بيتها وتطلُب قُوتَها مِن هنا وهناك، وكيف خاطبَتْ أصحابَها، وأَمَرَتْهم بأن يدخلوا مساكنهم؛"قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" [النمل: 18] .