ثم قال / تعالى: {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} ، أي: مما اكتسبنا فلا يعاقبنا عليه في الدنيا بالمصائب.
قال قتادة: ذكر لنا نبي الله عليه السلام قال:"لا يُصيب ابنَ آدمَ خَدشُ عودٍ ، ولا عَثْر قَدَمٍ ، ولا اختلاجُ عرقٍ إلاَّ بِذَنبٍ ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَر".
وقال ابن عباس: تعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم في الدنيا ولا يؤاخذون بها في الآخرة.
وقال الحسن: معنى الآية في الحدود ، أن الله تعالى جعل الحدود على ما يعمل الإنسان من المعاصي . وهذا يعطي أن"ما"بمعنى"الذي".
قال إبراهيم بن عرفة: الكثير الذي يعفو (الله عز وجل عنه) لا يحصى . وهذه من أرجى آية في القرآن.
وقال علي رضي الله عنه في هذه الآية: إذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فماذا يبقى من ذنوبي بين كفارته وعفوه.
وروي عن علي رضي الله أنه قال: ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله ؟ قالوا: بلى ،
فقرأ:"وما أصابكم من مصيبة"الآية.
ثم قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي ، وما عفا الله عز وجل عنه في الدنيا فلم يعاقب به في الدنيا فهو أجود وأمجد وأكرم أن (يعذب به) في القيامة.
وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: ما أحب أن لي بها الدنيا وما فيها.
(وقال أبو وائل: ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة) .
ثم قال تعالى: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض} ، أي: وما أنتم أيها الناس بمُعْتِبِين ربكم بأنفسكم هرباً في الأرض حتى لا يقدر عليكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم ، ولكنكم في سطانه حيث كنتم ، وتحت قدرته أين حللتم ، وفي مشيئته كيف تقلبتم.
ثم قال: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} ، أي: (ليس لكم) أيها الناس وَلِيٌّ يليكم فيدفع عنكم عقاب الله ، ولا نصير ينصركم إذا أراد عذابكم .
قال المبرد: بمعجزين: بسابقين ، يقال: أعجز إذا عدا فسبق.