الخضوع والخنوع والخشوع والتعبد، والتزام الصغار والذلة ومجانبة الكبر
والتعاظم، فإنه من نازعه معنى من صفاته التي هي: الكبرياء والعظمة والجبروت
قصمه، ولما ذلت له السَّمَاوَات والأرض وآذنت له وأذعنت حمل عنهن المشقة،
ويسر عليهن ما جعلهن له، وجعلهن من خزائنه متى شاء فتح منهن لعباده ما شاء،
تقول العرب:"ألقى إليه بالمقاليد"عبارة عن الاستسلام.
قال الفرزدق يخاطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليه مقاليد النهي البشر
ما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ...(13) . ثم
قال: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) يعني - والله أعلم بما ينزل - وأوحينا
إليهم الذي أوحينا إليك، وهذا منتظم بما في أول السورة من معنى: (حم(1) عسق (2)
كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ). والمعنى بهذا والله أعلم:
وحي الروح إليه أوحاه إليه محكمًا مجملاً مفهومًا لديه منه به، ثُمَّ يفصله فيما
يشرعه لذلك وهو أعلم.
عطف بالواو في قوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) على قوله: (شَرَعَ لَكُمْ) والذي
اجتمع عليه معنى ما أوحى إليهم هو ما عبر عنه قوله:(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
فِيهِ)أن تكونوا يدًا واحدة تعبدون ربًّا واحدًا على دين واحد، وهو الذي كبر على
المشركين، لكن (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: يستخلصه ويصطفيه(وَيَهْدِي إِلَيْهِ
مَنْ يُنِيبُ)أي: إلى الإسلام وإقامة دين التوحيد. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 58 - 66} ...