أَنْ أَنْذِرُوا) ثم ذكر هاهنا وحيًا آخر فقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا
مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ... (52) . هذا منتظم - والله
أعلم بما ينزل - بما ذكره في صدر السورة على أثر المجمل منه المحكم.
ثم قال: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) إلى قوله:
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ) .
فهذا ما تفصلت إليه تلك الجملة، ثم إلى قوله فيما قبل: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) إلى قوله: (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ(51) .
ثم عطف على هذا المعنى قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) يفهم عنه
أنبياؤه وحيه إليهم وإلقاءه ما يلقيه في ذواتهم.
قال الله - عز من قائل: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ)
فيما ألقاه إليه عن هذا الوحي من روح به يعرف وحيه ويفهم عنه وعن الملك المراد،
وهذا قد يقسم الله تعالى منه لمن شاء من عباده، وبما قسم لهم من ذلك يكون
فهمهم للكتاب والوحي والإيمان وبه يفهم عن ربه ويعرفه ويطيعه؛ إذ بهذا الروح
يحيي المحل الذي هو حامل حياة الإيمان، وكل محل لم يحل فيه هذا الروح فهو
ميت الإحياء لا يعقل الهدى ولا يبصره ولا يسمعه ولا يتحرك إليه، والقرآن نور ولا
يدخل إلا في محل الإيمان، وهو روح ولا يدخل إلا حيث الروح، وهذه الحياة
تنشأ من لدن عالم الجماد، ثم إلى النبات، ثم إلى الحيوان.
قال الله - عز من قائل: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (وَلَهُ
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) . ثم الإنسان، ثم الولي، ثم
النبي، ثُمَّ الملك، وبه يسمع الولي بالله، ويتكلم بالله، ويرى به، ويبطش به، ويمشي
به؛ إذ هو من الله - جل ذكره - العلي الأعلى الحي، ومنه روح القدس، ومنه روح
الأمر؛ وهذا هو الواصل، ألَّا تسمعه - عز وجل - يقول: (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ