في قوله"فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم"الآية فن التهكم وهو في الأصل تهدم البناء ، يقال تهكمت البئر إذا انهدمت والغضب الشديد والتندم على الأمر الفائت وهو في اصطلاح البيانيين الاستهزاء والسخرية من المتكبرين لمخاطبتهم بلفظ الإجلال في موضع التحقير ، والبشارة في موضع التحذير ، والوعد في موضع الوعيد ، والعلم في موضع الجهل ، تهاونا من القائل بالمقول له واستهزاء به ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الفن كثيرا في كتابنا ، قال الزمخشري:"أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى: بل ادّارك علمهم في الآخرة ، وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي"
عنده للحسنى ، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ، وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء كما قال عز وجل: كل حزب بما لديهم فرحون"وما أجمل قول الحماسي:"
أتاني من أبي أنس وعيد فثل تغيظ الضحاك جسمي
ثل أهلك ، والتغيظ: الغيظ ، وكني عن أبي أنس بالضحاك الذي كان ملكا قصدا للاستهزاء.
الفوائد:
حذف نون مضارع كان المجزوم:
تقدم القول في حذف نون مضارع كان المجزوم بشرط كونه مجزوما بالسكون غير متصل بضمير نصب ولا بساكن ، وقد وقع ذلك في التنزيل في ثمانية عشر موضعا ، وقد سمع في الشعر حذفها إذ وليها ساكن ، قال الخنجر بن صخر الأسدي:
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
فحذف النون مع ملاقاة الساكن ، والمرآة بكسر الميم ومدّ الهمزة آلة الرؤية فكأنه نظر وجهه فيها فلم يره حسنا فتسلى بأنه يشبه الضيغم وهو الأسد ، والوسامة بفتح الواو: الحسن والجمال وحمله جمهور النحاة على الضرورة واستشهد بقول النجاشي:
فلست يأتيه ولا أستطيعه ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل