فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبداً من العمل الصالح في البذل، ويكتفي منه بأنْ يفرح بمَنْ يبذل ويسعده العطاء من غيره.
ومثال ذلك: الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أنِّي عاصيك، لكن أحب مَنْ يطيعك. والأصمعي يسمع رجلاً عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أنْ أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، فلمن أذهب؛ فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحُسْن مسألتك.
ومعلوم أن المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يُحسِن الدعاء، ويُحسِن المسألة في هذا الموقف.
مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى لا يُحْرم الأجر في العطاء، هي أنْ يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء في قول الله تعالى:
{وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] .
فالحق سبحانه لا يحرم مؤمناً أنْ يكون له موقف في البذل، ولو كان بَذْلاً سلبياً.
ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى:
{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..} [الفتح: 10] فالمراد {أُوْلِي الأَيْدِي ..} [ص: 45] أي: أصحاب القوة في طاعة الله.
و {الأَبْصَارِ} [ص: 45] أي: البصائر في العلم والدين والحكمة، أما الأبصار بمعنى حَاسَّةِ البصر، فهي موجودة في الجميع المؤمن وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، وتزيده نوراً على نور.
إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمَنْ أعطى هذه المعطيات.
فالأبصار حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر عقلياً ولا وجدانياً بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه الأبصار.