ولكن فيم الدهش؟ وفيم العجب؟ إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة. وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات.. حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله: أحيائه وأشيائه جميعاً. وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء ، فإن تلك الحواجز تنزاح ؛ وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم. فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة!
وقد وهب الله عبده داود هذه الخاصية ؛ وسخر الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق.
وحشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحاً لله. وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان ، مع النبوة والاستخلاص.
{وشددنا ملكه. وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} ..
فكان ملكه قوياً عزيزاً. وكان يسوسه بالحكمة والحزم جميعاً. وفصل الخطاب قطعه والجزم فيه برأي لا تردد فيه. وذلك مع الحكم ومع القوة غاية الكمال في الحكم والسلطان في عالم الإنسان.
ومع هذا كله فقد تعرض داود للفتنة والابتلاء ؛ وكان عين الله عليه لترعاه وتقود خطاه ، وكانت يد الله معه تكشف له ضعفه وخطأه ، وتوقيه خطر الطريق وتعلمه كيف يتوقاه:
{وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب؟ إذ دخلوا على داود ففزع منهم. قالوا: لا تخف. خصمان بغى بعضنا على بعض. فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط. واهدنا إلى سواء الصراط. إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ، فقال: اكفلنيها ، وعزني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ، وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه. فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب} ..