قال أبو حيان ما ملخصه - بعد أن ذكر جملة من الآراء -: والذي أذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين للمحراب كانوا من الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل، وفي غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظانا أنهم يغتالونه، إذ كان منفردا في محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومته، وبرز منهم اثنان للتحاكم ... وأن ما ظنه غير واقع، استغفر من ذلك الظن، حيث اختلف ولم يقع مظنونه، وخر ساجدا منيبا إلى الله - تعالى - فغفر الله له ذلك الظن، ولذلك أشار بقوله: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ ولم يتقدم سوى قوله - تعالى -: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ ويعلم قطعا أن الأنبياء معصومون من الخطايا، ولا يمكن وقوعهم في شيء منها، ضرورة أننا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع، ولم نثق بشيء مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم، فما حكى الله - تعالى - في كتابه. يمر على ما أراده - تعالى - ، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة، طرحناه .. .
2 -ومع أن ما ذكرناه سابقا، وما نقلناه عن الإمام أبي حيان، هو المعنى الظاهر من الآيات، وهو الذي تطمئن إليه النفس، لأنه يتناسب مع مكانة داود - عليه السلام - ، ومع ثناء الله - تعالى - عليه وتكريمه له.
أقول مع كل ذلك، إلا أننا وجدنا كثيرا من المفسرين عند حديثهم عن قصة الخصوم الذين تسوروا على داود المحراب، يذكرون قصصا في نهاية النكارة، وأقوالا في غاية البطلان والفساد.
فمثلا نرى ابن جرير وغيره يذكرون قصة مكذوبة ملخصها: «أن داود - عليه السلام - كان يصلى في محرابه .. ثم تطلع من نافذة المكان الذي كان يصلى فيه، فرأى امرأة جميلة فأرسل إليها فجاءته، فسألها عن زوجها فأخبرته بأن زوجها، اسمه «أوريا» وأنه خرج مع الجيش الذي يحارب الأعداء .. فأمر داود - عليه السلام - قائد الجيش أن يجعله في المقدمة لكي يكون عرضة للقتل .. وبعد قتله تزوج داود بتلك المرأة .. .