وإذا أردت زيادة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم.
فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم.
(فصل: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام)
كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا.
فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه أن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء:
"العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر"كما قيل
وأن الأمر يفضي إلى آخر ... فيصير آخره أولا
فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين.