[ص: 64] لا .. لا يصح أن نُقدِّر القسم ثم نبحث له عن جواب مناسب.
ومعنى: {فِي عِزَّةٍ ..} [ص: 2] أي: عِزَّة الإثم، وهي التعالي والاستكبار عن الحق، وهي عزة بلا رصيد {وَشِقَاقٍ} [ص: 2] من الشق، وهو حدوث فاصل بين شيئين، ولهذه معانٍ كثيرة في اللغة، نقول: هذا في شق وذلك في شق. يعني: لا يلتقيان، مثل كلمة عدو، لأن العدوَّان لا يتفقان، وكلمة عدو أصلها في لغة العرب، ومن بيئتهم حيث توجد الوديان، والوادي له ناحيتان، كل واحدة تُسمَّى عُدوة.
ومنه قوله تعالى:
{إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى ..} [الأنفال: 42] فعدو من العدوة. يعني: كل واحد مِنا في ناحية، ومثلها كلمة جانب، وكلمة حد كما في قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 5] .
ومثلها كلمة انحرف، يعني: هذا في حرف، وهذا في حرف، يعني: على طرف وهذا على الطرف الآخر، ومنه قوله تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ..} [الحج: 11] فهذه كلها ألفاظ تؤدي معنى عدم الالتقاء، كما في: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2] عزة آثمة كاذبة وشقاق يعني: اختلاف لا التقاءَ فيه، والمراد بالشِّقاق عدم اتعاظهم من سوابق الأمم مع رسلهم؛ لذلك القرآن لا يسرد لهَم تاريخاً حين يقول لهم:
{وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 - 138] إنما يُذكِّرهم بما غفلوا عنه.
وهنا يقول:
{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ...} .
{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}
(كم) هنا خبرية تفيد الكثرة، فكأن الحق سبحانه ترك للمخاطب أنْ يتصوَّر الكمية ويُحدِّد الكمية في كم، وأنت لا تستخدم هذا الأسلوبَ إلا وأنت واثق من هذه الكثرة، كما تقول لمن يجحد فضلك: كم أعطيتُك أو كم صبرتُ عليك، يعني: مراراً كثيرة.
والقرن قلنا: إنه الفترة أو الطائفة من الزمن يحكمها مشخِّص واحد كالنبوة أو غيرها، كما نقول قوم نوح أو قوم هود، وقد اصطلح على أن القرن مائة سنة، وسُمِّيتْ قرناً لأنها متقارنة بعضها ببعض.