كذلك قلنا مثلاً: كلمة النجم تُطلَق على النجم في السماء، وتُطْلَق على النبات الذي لا ساقَ له، ومنه قوله تعالى:
{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] .
ومن ذلك قول الشاعر:
أُرَاعِي النَّجْمَ في سَيْرِي إليكُمُ ... ويَرْعَاهُ مِنْ البَيْدَا جَوَادِي
فكلمة الذكر تطلق على القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:
{وَقَالُواْ ياأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] ويُطلق الذكر على كتب الرسل السابقين، كما في قوله تعالى:
{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
ويُطلق الذكر على الصِّيت والسمعة، كما جاء في قوله تعالى:
{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44] أي: القرآن.
وفي قوله تعالى:
{لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..} [الأنبياء: 10] وما ارتفع العرب ولا علَتْ لغتهم إلا لأنها لغة القرآن.
ويُطلق الذكر أيضاً على التذكُّر، كما في قوله تعالى:
{فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ..} [يوسف: 42] .
ويُطلق الذكر على التسبيح، كما في قوله تعالى:
{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 36 - 37] .
ويُطلق الذكر على معنى آخر، هو العطاء الجيد من الله، والعمل الطيِّع من العبد.
إذن: فلفظ الذكر أشبه في القرآن بالماسة تتلألأ في يدك، كلما قلَّبتها وجدتَ لها بريقاً. فكلُّ هذه المعاني تدخل تحت قوله تعالى: {صا وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] .
{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}
نعرف أن (بل) حرف يفيد الإضراب عما قبله أو نفي ما قبله وإثبات ما بعده، فـ (بل) هنا تثبت أن الذين كفروا في عزَّة وشِقَاق، فما المنفي قبلها؟ قبلها قوله تعالى
{صا وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] هذه معجزة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من الواجب أنْ يقتنعوا بها، وأنْ يؤمنوا بها لكنهم كفروا، فالمعنى: بل الذين كفروا ما صدَّقوه، بل هم في عِزَّة وشِقاق.
بعض العلماء يرى أن
{صا وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] قَسَمٌ جوابه جاء في آخر السورة في قوله تعالى:
{إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}