ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال: {ولو ترى إِذ الظالمون} يعني مشركي مكة {موقوفون عند ربِّهم} في الآخرة {يَرْجِعُ بعضُهم إِلى بعض القولَ} أي: يَرُدُّ بعضُهم على بعض في الجدال واللَّوم {يقول الذين استُضعفوا} وهم الأتباع {للذين استكبروا} وهم الأشراف والقادة: {لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين} أي: مصدِّقين بتوحيد الله ؛ والمعنى: أنتم منعتمونا عن الإِيمان ؛ فأجابهم المتبوعون فقالوا: {أنحن صددناكم عن الهُدى} أي: منعناكم عن الإِيمان {بعد إِذ جاءكم} به الرسول؟ {بل كنتم مجرمين} بترك الإِيمان - وفي هذا تنبيه للكفار على أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا تصير سبباً للعداوة في الآخرة - فردَّ عليهم الأتباع فقالوا: {بل مَكْرُ الليلِ والنهارِ} أي: بل مكرُكم بنا في الليل والنهار.
قال الفراء: وهذا ممَّا تتوسع فيه العرب لوضوح معناه ، كما يقولون: ليله قائم ، ونهاره صائم ، فتضيف الفعل إِلى غير الآدميين ، والمعنى لهم.
وقال الأخفش: وهذا كقوله: {مِنْ قريتك التي أخرجَتْكَ} [محمد: 13] ، قال جرير:
لقد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ في السُّرَى ...
ونِمْتِ وَما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائمِ
وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو الجوزاء ، وعاصم الجحدري: {بل مَكَرَ} بفتح الكاف والراء {الليلُ والنهارُ} برفعهما.
وقرأ ابن يعمر: {بل مَكْرُ} باسكان الكاف ورفع الراء وتنوينها {الليلَ والنهارَ} بنصبهما.
قوله تعالى: {إِذ تأمُروننا أن نكفُر بالله} وذلك أنهم كانوا يقولون لهم: إِنَّ دِيننا حقّ ومحمد كذّاب ، {وأَسرُّوا النَّدامة} وقد سبق بيانه في [يونس: 54] .
قوله تعالى: {وجَعَلْنا الأغلالَ في أعناق الذين كَفَروا} إِذا دخلوا جهنم غُلَّت أيديهم إِلى أعناقهم ، وقالت لهم خَزَنة جهنم: هل تُجَزون إِلا ما كنتم تعملون في الدنيا.