كذلك الحق - تبار ك وتعالى - يريد أن يذهب الإنسانُ إليه وهو مختار، وهو قادر ألاَّ يذهب، يريد أن يذهب العباد إليه عن حب، وعن رغبة، وعن إيمان، لا عن قهر وجبروت لأنه سبحانه - كما سبق أنْ قُلْنا - يريد قلوباً تخشع، لا قوالب تخضع. فقوله تعالى {قُلْ إِن ضَلَلْتُ} سبأ 50 يعني أنا وأنتم سواء في هذه المسألة لأن الضلال نتيجة للسيئات التي تقترفها النفس، فهي سبب الضلال {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} سبأ 50 أما الهداية فمن الله لأنها بسبب منهج الله {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} سبأ 50. لكن النبي صلى الله عليه وسلم متفق وأمته في نسبة الضلال إلى النفس، لكن يختلف عنهم في الهداية {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} سبأ 50 فالهداية جاءته صلى الله عليه وسلم من الله مباشرة قبل أنْ يبعث له رسولاً بالرسالة، وقبل أنْ ينزل عليه وحتى السماء، أما هداية الأمة فبواسطة الرسول الذي يُبلِّغ منهج الله ويأتي بالمعجزة. فهداية رسول الله كانت بداية لما اختاره الله رسولاً على هذا الوضع من الهداية، ثم أنزل عليه المنهج لهداية الأمة. وقوله تعالى {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} سبأ 50 سميع أي يعرف مطلوبي، ويسمع مني كل نَفَس، وهو سبحانه مع سمعه قريب مني لا يبطئ عليّ في الإجابة لأن الفعل من الله تعالى لا يحتاج إلى علاج ومزاولة، إنما الفعل من الله بكُنْ. ثم يرجع الحق سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ليُسلِّيه {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ ...} .
{وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}
قوله تعالى {وَلَوْ تَرَى} سبأ 51 أسلوب شرط ورد عدة مرات في القرآن الكريم، وتلحظ أن السياق لم يذكر له جواباً، واقرأ
{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ}
سبأ 31.
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ..}
الأنعام 27. فالجواب هنا محذوف لأنه معلوم من السياق، فالتقدير هنا ولو ترى يا محمد إذ فزعوا يوم القيامة أرأيتَ شيئاً عظيماً وأمراً عجيباً يريح قلبك، وينتقم لك جزاءَ ما كذَّبوك وعاندوك، وقد ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى
{هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}