فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم ، وقال: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء} أن يبسطه له {وَيَقْدِرُ} أي: يضيق على من يشاء أن يضيقه عليه ، فهو سبحانه قد يرزق الكافر ، والعاصي استدراجاً له ، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير توفيراً لأجره ، وليس مجرّد بسط الرزق لمن بسطه له يدل على أنه قد رضي عنه ، ورضي عمله ، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه ، ولا رضي عمله ، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا من الغلط البين ، أو المغالطة الواضحة {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} هذا ، ومن جملة هؤلاء الأكثر من قاس أمر الآخرة على الأولى ، ثم زاد هذا الجواب تأييداً ، وتأكيداً {وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى} أي: ليسوا بالخصلة التي تقرّبكم عندنا قربى.
قال مجاهد: الزلفى القربى ، والزلفة: القربة.
قال الأخفش: زلفى اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريباً ، فتكون زلفى منصوبة المحلّ.
قال الفرّاء: إن التي تكون للأموال والأولاد جميعاً.
وقال الزجاج: إن المعنى: وما أموالكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ، ولا أولادكم بالشيء يقرّبكم عندنا زلفى ، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه ، وأنشد:
نحن بما عندنا وأنت بما عن... دك راض والرأي مختلف
ويجوز في غير القرآن باللتين ، واللاتي ، وباللواتي ، وبالذي للأولاد خاصة ، أي: لا تزيدكم الأموال عندنا درجة ورفعة ، ولا تقربكم تقريباً {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} هو استثناء منقطع ، فيكون محله النصب ، أي: لكن من آمن ، وعمل صالحاً ، أو في محل جرّ بدلاً من الضمير في تقرّبكم ، كذا قال الزجاج.
قال النحاس: وهذا القول غلط ، لأن الكاف والميم للمخاطب ، فلا يجوز البدل ، ولو جاز هذا لجاز رأيتك زيداً.