قالت عائشة أُمّ المؤمنين: كنّا يوم الخندق في حصن بني حارثة ، وكان من أحرز حصون المدينة ، وكانت أُمّ سعد بن معاذ معنا في الحصن ، وذلك قبل أن يُضرب علينا الحجاب فمرّ سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلّها وفي يده حربته وهو يقول:
لبّثْ قليلاً يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
فقالت أُمّهُ: الحقْ يا بني فقد والله أخرتَ ، قالت عائشة: فقلتُ لها: يا أُمّ سعد والله لوددت أنَّ درع سعد كانت أسبغ ممّا هي ، وخفت عليه حيث أصاب السهم منه ، قالت: فرمي سعد يومئذ فقطع منه الأكحل ، وزعموا أنّه لم ينقطع من أحد قطع إلاّ لم يزل يفيض دماً حتى يموت ، رماه حيان بن قيس بن الغرقة أحد بني عامر بن لؤي ، فلمّا أصابه قال: خذها فأنا ابن الغرقة فقال سعد: غرق الله وجهك في النار ، ثمّ قال سعد: اللّهم إنْ كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها ، فإنّه لا قوم أحبّ إليّ من أنْ أُجاهدهم من قوم آذوا رسولك ، فكذّبوه وأخرجوه ، وإنْ كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة ، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية .
وروى محمد بن إسحاق بن يسار ، عن يحيى بن عبادة بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عبادة قال: كانت صفية بنت عبد المطّلب في قارع حصن حسّان بن ثابت قالت: وكان حسّان معنا فيه مع النساء الصبيان.
قالت صفية: فمرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنّا ، ورسول الله والمسلمون في [نحور] عدوّهم لا يستطيعون أنْ ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت . قالت: فقلت: يا حسّان إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإنّي والله ما آمنه أنْ يدلّ على عورتنا مَن ورائنا من اليهود ، وقد شغل عنّا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله.