وقرأ الباقون بالمدّ ؛ أي لأعطوها من أنفسهم ، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
وقد جاء في الحديث: أن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يعذَّبون في الله ويُسألون الشرك ، فكلٌّ أعطى ما سألوه إلا بلالاً.
وفيه دليل على قراءة المدّ ، من الإعطاء.
ويدل على قراءة القصر قوله: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار} ؛ فهذا يدل على"لأَتَوْهَا"مقصوراً.
وفي"الفتنة"هنا وجهان: أحدهما سُئلوا القتال في العصبية لأسرعوا إليه ؛ قاله الضحاك.
الثاني: ثم سئلوا الشرك لأجابوا إليه مسرعين ؛ قاله الحسن.
{وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} أي بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلاً حتى يهلكوا ؛ قاله السّدِّي والقُتَيبِيّ والحسن والفراء.
وقال أكثر المفسرين: أي وما احتبسوا عن فتنة الشرك إلا قليلاً ولأجابوا بالشرك مسرعين ؛ وذلك لضعف نياتهم ولفرط نفاقهم ؛ فلو اختلطت بهم الأحزاب لأظهروا الكفر.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ} أي من قبل غزوة الخندق وبعد بدر.
قال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر ، فقالوا لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ.
وقال يزيد بن رُومان: هم بنو حارثة ، هَمُّوا يوم أُحُد أن يفشلوا مع بني سَلِمة ، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم.
{وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً} أي مسؤولاً عنه.
قال مقاتل والكَلْبي:"هم سبعون رجلاً بايعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا: اشترط لنفسك ولربّك ما شئت."