والثاني: وما تلبَّثوا بالمدينة بعد الإِجابة إِلاَّ يسيراً حتى يعذَّبوا ، قاله السدي ، وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولاً عجيباً ، وهو أن الفتنة هاهنا: الحرب ، والمعنى: ولو دُخلت المدينةُ على أهلها من أقطارها ، ثم سُئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادِرين ، وما تلبْثوا يعني الجيوش الداخلة عليهم بها - إِلاَّ قليلاً حتى يُخرجوهم منها ؛ وإِنَّما منعهم من القتال معك ما قد تداخلهم من الشكِّ في دينك ؛ قال: وهذا المعنى حَفِظتُه من كتاب الواقدي.
قوله تعالى: {ولقد كانوا عاهَدوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ} في وقت معاهدتهم ثلاثة أقوال.
أحدها: أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر ، فلمَّا علموا ما اعطى اللّهُ أهل بدر من الكرامة قالوا: لئن شهدنا قتالاً لنقاتِلَنّ ، قاله قتادة.
والثاني: أنهم أهل العقبة ، وهم سبعون رجلاً بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طاعة الله ونُصرة رسوله ، قاله مقاتل.
والثالث: أنه لمَّا نزل بالمسلمين يوم أُحد ما نزل ، عاهد اللّهَ معتّب بن قُشَير وثعلبة بن حاطب: لا نولِّي دُبُراً قطُّ ، فلمَّا كان يوم الأحزاب نافقا ، قاله الواقدي ، واختاره أبو سليمان الدمشقي ، وهو اليَق ممَّا قبله.
وإِذا كان الكلام في حق المنافقين ، فكيف يُطْلَق القول على أهل العَقَبة كلِّهم!
قوله تعالى: {وكان عهد الله مسؤولاً} أي: يُسأَلون عنه في الآخرة.
ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم ، فقال: {قُلْ لن ينفعَكم الفرار إِن فَرَتم من الموت أو القتل وإِذاً لا تُمتَّعون} بعد الفرار في الدنيا {إِلاَّ قليلاً} وهو باقي آجالكم.