قالوا: لأن القرآن ليس كتابَ أحكام فحسب كالكتب السابقة ، إنما هو كتاب إعجاز ، والأصل فيه أنه مُعْجز ، ومع ذلك أدخل فيه بعض الأصول والأحكام ، وترك البعض الآخر لبيان الرسول وتوضيحه في الحديث الشريف ، وجعل له صلى الله عليه وسلم حقاً في التشريع بنصِّ القرآن: {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} [الحشر: 7] .
والقرآن حين يُورد الأحكام يوردها إجمالاً ثم يُفصِّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالصلاة مثلاً أمر بها الحق تبارك وتعالى وفرضها ، لكن تفصيلها جاء في السنة النوبية المطهرة ، فإنْ أردتَ التفصيل فانظر في السنة .
كالذي يقول: إذا غاب الموظف عن عمله خمسة عشر يوماً يُفصَل ، مع أن الدستور لم ينص على هذا ، نقول: لكن في الدستور مادة خاصة بالموظفين تنظم مثل هذه الأمور ، وتضع لهم اللوائح المنظِّمة للعمل .
وذكرنا أن الشيخ محمد عبده سأله بعض المستشرقين: تقولون في القرآن: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] فهات لي من القرآن: كم رغيفاً في إردب القمح؟ فما كان من الشيخ إلا أن أرسل لأحد الخبازين وسأله هذا السؤال فأجابه: في الإردب كذا رغيف . فاعترض السائل: أريد من القرآن .
فردَّ الشيخ: هذا من القرآن ؛ لأنه يقول: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
فالأمر الذي يصدر فيه حكم من الله وحكم من رسول الله ، كالصلاة مثلاً: {إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً} [النساء: 103] .
وفي الحديث:"الصلاة عماد الدين".
ففي مثل هذه المسألة نقول: أطيعوا الله والرسول ؛ لأنهما متواردان على أمر واحد ، فجاء الأمر بالطاعة واحداً .