قُلْنَا مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْءَ الْمَعْلُومَ يَكُونُ عِلْمُهُ فِي الْقَلْبِ فَيُتَرْجَمُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ وَهَذَا الْإِفْكُ لَيْسَ إِلَّا قَوْلًا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ فِي الْقَلْبِ عِلْمٌ بِهِ، كَقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: 167] .
(وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ(16)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ جَازَ الْفَصْلُ بَيْنَ (لَوْلَا) وَبَيْنَ (قُلْتُمْ) بِالظَّرْفِ؟
قُلْنَا الْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْتَرِزُوا أَوَّلَ مَا سَمِعُوا بِالْإِفْكِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ) فَفِيهِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ يَلِيقُ (سُبْحَانَكَ) بِهَذَا الْمَوْضِعِ؟
الْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ التَّعَجُّبُ مِنْ عِظَمِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى التَّعَجُّبِ لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ اللَّه عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَجِيبِ مِنْ صَانِعِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنْهُ.
الثَّانِي: الْمُرَادُ تَنْزِيهُ اللَّه تَعَالَى عَنْ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ نَبِيِّهِ فَاجِرَةً.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عن أن يرضى
الرَّابِعُ: أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ لَا يُعَاقِبَ هَؤُلَاءِ الْقَذَفَةَ الظَّلَمَةَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ أُوجِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) مَعَ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِكَوْنِهِ كَذِبًا قَطْعًا؟
وَالْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ بُهْتَانًا، لِأَنَّ زَوْجَةَ الرَّسُولِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَاجِرَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَمَّا جَزَمُوا أَنَّهُمْ مَا كَانُوا ظَانِّينَ لَهُ بِالْقَلْبِ كَانَ إِخْبَارُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْجَزْمِ كَذِبًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) [المنافقون: 1] .