فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، يوجب له تشتتًا وتفرقًا، وهمًا وغمًا، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عن مصالحه بهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم ومجالسهم.
فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟.
وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة؟.
وكل المشتركين في تحصيل غرض، يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض، أعقب ندامة وحزنًا، وانقلبت تلك المودة بغضًا، ولعنة من بعضهم لبعض إلا ما شاء الله.
ومحكم القول في أمر الخلطة:
أن يخالط الإنسان الخلق في الخير كالجمعة والجماعة .. والأعياد والحج .. والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. والعلم والجهاد .. والنصيحة وبذل المعروف .. ويعتزلهم في الشر .. وفضول المباحات.
فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، فليحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لا بد أن يؤذوه، والصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة.
وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس إلى مجلس طاعة لله إن أمكنه، فإن عجز عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين.
وليكن فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقى به إلى الملأ الأعلى، مع الأرواح العلوية الزكية، ولا ينال هذا إلا بتوفيق الله وعونه.
المفسد الثاني: ركوبه بحر التمني.
وهو بحر لا ساحل له، وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان، والخيالات، والأماني الكاذبة، وتلك بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية.
والناس متفاوتون في ذلك، وكل بحسب حاله:
فمِن متمَنٍّ للقدرة والسلطان .. وللضرب في الأرض .. والتطواف في البلدان .. أو متمنٍّ للأموال والأثمان .. أو للنسوة والمردان .. أو للعب واللهو .. أو للشهوات واللذات.
وصاحب الهمة العالية، أمانيه تحوم حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويكون سبباً للفوز بالجنة.
فالقلوب جوالة منها ما يطوف حول العرش .. ومنها ما يطوف حول الحش.