والمعنى: أي فإن يكذبك هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتهم به من الحق، وما يعدهم به من العذاب على كفرهم به .. فلست بأوحدي في ذلك، فتلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية، المكذبة لرسلها، وذلك منهاج من قبلهم، فلا يصدنك ذلك فإن العذاب من ورائهم، ونصري إياك وأتباعك عليهم آت لا محالة، كما أتى عذابي على أسلافهم، من الأمم من قبلهم، بعد الإمهال. فقد أمهلت أهل الكفر من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة، والعذاب، ثم أحللت بهم عقابي بعدئذٍ. فانظر أيها الرسول كيف كان تغييري، ما كان بهم من نعمة، وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة، وبالحياة موتًا وهلاكًا، وبالعمارة خرابًا. فكذلك سأفعل بمكذبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم، كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكتهم، وأنجيت رسلي من بين أظهرهم. ونحو الآية قوله: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} .
45 - {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} قال. المولى الجامي: في"شرح الكافية"من الكناية كأين، وإنما بني لأن كاف التشبيه دخلت على أيّ، وأيُّ كان في الأصل معربًا، لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي فصار المجموع كاسم مفرد، بمعنى كم الخبرية، فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة، كما في من، لا تنوين تمكن، ولهذا يكتب بعد الياء نون مع أن التنوين لا صورة له في الخط. انتهى. والمعنى: فكثير من القرى. وهو مبتدأ، وقوله: {أَهْلَكْنَاهَا} خبره. وقوله: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} جملة حالية من مفعول {أَهْلَكْنَاهَا} . والمراد ظلم أهلها بالكفر والمعاصي، وهو بيان لعدله، وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر أنه لم يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم. وقرأ أبو عمرو وجماعة: {أهلكتها} بتاء المتكلم، على وفق قوله: فأمليت ثم أخذت. وقرأ الجمهور {أَهْلَكْنَاهَا} بنون العظمة.