وقال ابن حجر في فتح الباري في قول ابن عمر: كنا نتحين. الحديث ، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وهو دليل على أن الحافظ ابن حجر يرى قول ابن عمر: كنا نتحين ، فإذا زالت الشمس رمينا له حكم الرفع ، وحديث جابر الصحيح المذكور قبله صريح في الرفع ، وروى الإمام أحمد ، وأبو داود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت"أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يوم حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق برمي الجمرة إذا زالت الشمس"الحديث ، وفي إسناده محمد بن إسحاق ، صاحب المغازي ، وهو مدلس ، وقد قال ابن إسحاق المذكور في الإسناد المذكورن عن عبدالرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، والمدلس إذا عنعن لم تقبل روايته عند أهل الحديث وقد قدمنا مراراً أن من يحتج بالمرسل ، يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى ، وأن المشهور عن أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد: الاحتجاج بالمرسل. وروى الإمام أحمد ، وابن ماجه ، والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال"رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمار حين زالت الشمس".
وبهذه النصوص الثابتة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم تعلم أن قول عطاء وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق ، قبل الزوال ، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال ، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه كل ذلك ، خلاف التحقيق لأنه مخالف لفعل النَّبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه المعتضد بقوله:"لتأخذوا عني مناسككم"ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد وأبو يوسف ، ولم يرد في كتاب الله ، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يخالف ذلك ، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق ، لا مستند له ألبتة ، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ، والعلم عند الله تعالى.