إنْ قُلْتَ بالعين فدعْها على الأرض وانظر إليها ، وإنْ قُلْتَ باللمس فلك أنْ تلمسها دون أنْ ترفعها من مكانها ، إذن: فأنت لا تدرك الثقل بهذه الحواس ، إنما بشيء آخر وبآلة إدراك أخرى هي حاسة العَضَلِ الذي يُميِّز لك الخفيف من الثقيل .
وحين تذهب لشراء قطعة من القماش تفرك القماش بلطف بين أناملك ، فتستطيع أنْ تُميِّز الثخين من الرقيق ، مع أن الفارق بينهما لا يكاد يُذْكَر ، فبأيِّ حاسة أدركْتَه؟ إنها حاسة البَيْن . كذلك هناك حاسة البُعْد وغيرها من الحواسّ التي يكتشفها العلم الحديث في الإنسان .
فلما يدرك الإنسان هذه الأشياء بوسائل الإدراك يتدخَّل العقل ليغربل هذه المدركات ، ويختار من البدائل ما يناسبه ، فإنْ كان سيختار ثوباً يقول: هذا أنعم وأرقّ من هذا ، وإنْ كان سيختار رائحة يقول: هذه ألطف من هذه ، إنْ كان في الصيف اختار الخفيف ، وإنْ كان في الشتاء اختار السميك .
وبعد أن يختار العقل ويوازن بين البدائل يحكم بقضية تستقر في الذِّهْن وتقتنع بها ، ولا تحتاج لإدراك بعد ذلك ، ولا لاختيار بين البدائل ، وعندها تنفذ ما استقر في نفسك ، وارتحْتَ إليه بقلبك .
إذن: إدراك بالحواس وتمييز بالعقل ووقوف عند مبدأ بالقلب ، وما دام استقر المبدأ في قلبك فقد أصبح دستوراً لحياتك ، وكل جوارحك تخدم هذا المبدأ الذي انتهيتَ إليه ، واستقر في قلبك ووجدانك .