لذلك يقولون في الأمثال: (اللي يعيش ياما يشوف ، واللي يمشي يشوف أكثر) فكلما تعددتْ الأماكن تعددت الآيات والعجائب الدالة على قدرة الله ، وقد ترى منظراً لا يؤثر فيك ، وترى منظراً آخر يهزُّك ويُحرِّك عواطفك ، وتأملاتك في الكون .
وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ . .} [الحج: 46] تعني وتؤكد أنهم ساروا فعلاً ، كما تقول: أفلم أُكرمك؟ ولا تقول هذا إلا إذا أكرمته فعلاً ، وقد حدث أنهم ساروا فعلاً في البلاد أثناء رحلة الشتاء والصيف ، وكانوا يمرون على ديار القوم المهلكين ، كما قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ . .} [الصافات: 137] .
يعني: أنتم أهل سَيْر وترحال وأهل نظر في مصير مَنْ قبلكم ، فكيف يقبل منكم الانصراف عن آيات الله؟
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: 46] فما داموا قد ساروا وترحلَّوا في البلاد ، فكيف لا يعقلون آيات الله؟ وكيف لا تُحرِّك قلوبهم؟
ولنا وقفة عند قوله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ . .} [الحج: 46] وهل يعقِل الإنسانُ بقلبه؟ معلوم أن العقل في المخ ، والقلب في الصدر .
نعم ، للإنسان وسائل إدراك هي الحواس التي تلتقط المحسَّات يُسمُّونها تأدُّباً مع العلم: الحواس الخمس الظاهرة ؛ لأن العلم أثبت للإنسان في وظائف الأعضاء حواساً أخرى غير ظاهرة ، فحين تُمسِك بشيئين مختلفين يمكنك أن تُميِّز أيهما أثقل من الآخر ، فبأيِّ حاسة من الحواس الخمس المعروفة توصلْتَ إلى هذه النتيجة؟