وفي قوله تعالى {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: 45] دليل على أن هؤلاء المهلْكين كانوا من أصحاب الغِنَى والنعيم ، ومن سكان القصور ومِنْ عِلْية القوم .
ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا . .}
السَّيْر: قَطْع مسافات من مكان إلى آخر ، ويسمونه السياحة ، والحق سبحانه يدعو عباده إلى السياحة في أنحاء الأرض ؛ لأن للسياحة فائدتين:
فإما أنْ تكون سياحة استثمارية لاستنباط الرزق إنْ كنتَ في مكان يضيق بك العيش فيه ، كهؤلاء الذين يسافرون للبلاد الأخرى للعمل وطلب الرزق .
وإما أن تكون سياحة لأَخْذ العبرة والتأمل في مخلوقات الله في مُلْكه الواسع ليستدل بخَلْق الله وآياته على قدرته تعالى .
والسياحة في البلاد المختلفة تتيح لك فرصة ملاحظة الاختلافات من بيئة لأخرى ، فهذه حارة وهذه باردة ، وهذه صحراء جرداء وهذه خضراء لا يوجد بها حبة رمل ، لذلك يخاطبنا ربنا تبارك وتعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا . .} [الأنعام: 11]
فالعطف في الآية ب (ثُمَّ) يدل على أن للسياحة مهمة أخرى ، هي الاستثمار وطلب الرزق ، ففي الآية إشارة إلى الجمع بين هاتين المهمتين ، فحين تذهب للعمل إياك أنْ تغفل عن آيات الله في المكان الذي سافرت إليه ، وخُذْ منه عبرة كونية تفيدك في دينك .
وفي آية أخرى يقول سبحانه: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ . .} [النمل: 69]
العطف هنا بالفاء التي تفيد الترتيب ، يعني: سيروا في الأرض لتنظروا آيات الله ، فهي خاصة بسياحة الاعتبار والتأمل ، لا سياحة الاستثمار وطلب الرزق .