{ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35] ثم حكى حاله في الدارين بقوله {خسر الدنيا والآخرة} أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ، وكون عرضه وماله ودمه مصونة ، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد ، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه. وفي قوله {يدعو من دون الله} الآية. دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. قوله {يدعو لمن ضره} الآية. فيه بحث لفظي وبحث معنوي. أما الأول فهو أن {يدعو} بمعنى"يقول"والجملة بعده محكية ، و"من"موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو {لبئس المولى} خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى ، وهذا حسن بخلاف قوله"أم الحليس لعجوز"فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون {يدعو} تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور. وفي حرف عبد الله {من ضره} بغير لام ووجهه ظاهر ، وعلى هذا يكون قوله {لبئس المولى} جملة مستقلة. والمولى الناصر ، والعشير المعاشر أي الصاحب. وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال {ضره أقرب من نفعه} فما وجه ذلك؟ والجواب أن المقصود في الآية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم ، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء. سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره {رب أنهن اضللن كثيراً من الناس} [إبراهيم: 36] وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله. والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين