وهكذا يجمع الله عليهم ألوان العذاب ؛ لأن الثياب يرتديها الإنسان لتستر عورته ، وتقيه الحر والبرد ، ففيها شمول لمنفعة الجسم ، يقول تعالى: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
فالإذاقة ليستْ في اللباس ، إنما بشيء آخر ، واللباس يعطي الإحاطة والشمول ، لتعم الإذاقة كُلَّ أطراف البدن ، وتحكم عليه مبالغةً في العذاب .
يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)
قلنا: إن هذا الماء بلغ من الحرارة منتهاها ، فلم يغْلِ عند درجة الحرارة التي نعرفها ، إنما يُغلِيه ربه الذي لا يُطيق عذابَه أحدٌ . وأنت إذا صببتَ الماء المغلي على جسم إنسان فإنه يشوي جسمه من الخارج ، إنما لا يصل إلى داخله ، أمّا هذا الماء حين يُصَبُّ عليهم فإنه يصهر ما في بطونهم أولاً ، ثم جلودهم بعد ذلك ، فاللهم قِنَا عذابك يوم تبعث عبادك .
وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)
المقامع: هي السياط التي تقمع بها الدابة ، وتَرْدعها لتطاوعك ، أو الإنسان حين تعاقبه ، لكنها سياط من حديد ، ففيها دلالة على الذِّلَّة والانكسار ، فضلاً عن العذاب .
ثم يُبيِّن الحق سبحانه مهمة هذه المقامع ، فيقول: {كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا . .} .
الحق - سبحانه وتعالى - يُصوّر حال أهل النار وما هم فيه من العذاب ومن اليأس في أن يُخفف عنهم ، فإذا ما حاولوا الخروج من غَمِّ العذاب جاءتهم هذه السياط فأعادتهم حيث كانوا ، والإنسان قد يتعود على نوع من العذاب فيهون عليه الأمر ، كالمسجون مثلاً الذي يُضْرب بالسياط على ظهره ، فبعد عدة ضربات يفقد الإحساس ولا يؤثر فيه ضَرْب بعد ذلك .
وقد أجاد المتنبي في وصف هذا المعنى حين قال: