أي تذيبه الشمس ، فيصبر على ذلك ، ولا يذوب ، وقوله: والجلود الظاهر أنه معطوف على"ما"من قوله {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} التي هي نائب فاعل يصهر ، وعلى هذا الظاهر المتبادر من الآية ، فذلك الحميم يذيب جلودهم ، كما يذيب ما في بطونهم. لشدة حرارته.
إذ المعنى: يصهر به ما في بطونهم ، وتصهر به الجلود. أي جلودهم ، فالألف واللام قامتا مقام الإضافة ، وقال بعض أهل العلم: والجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على تصهر ، وتقديره: وتحرق به الجلود ، ونظير ذلك في تقدير العامل المحذوف الرافع الباقي معموله مرفوعاً بعد الواو قول لبيد في معلقته:
فعلا فروعُ الأَيْهقَانِ وأطفَلت... بالْجَلهَتَيْنِ ظباؤُهَا ونَعامُهَا
يعني: وباض نعامها ، لأن النعامة لا تلد الطفل ، وإنما تبيض ، بخلاف الظبية فهي تلد الطفل ، ومثاله في المنصوب قول الآخر:
إذا ما الغانياتُ برزْنَ يوماً... وزجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا
ترى منَّا الأيور إذا رأَوْهَا... قِياماً راكِعيِنَ وساجِدينا
يعني زججن الحواجب ، وأكحلن العيون وقوله:
ورَأيْت زوجَك في الوَغَى... متقلِّداً سيفاً ورمْحاً
أي وحاملاً رمحاً ، لأن الرمح لا يتقلد ، وقول الآخر:
تراه كأن الله يدعُ أنفَه... وعينيه إنْ مولاه ثَابَ له وفْر
يعني: ويفقأ عينيه ، ومن شواهده المشهورة قول الراجز.
علَفْتها تِبناً وماءً بارداً... حتى شتت همالةً عيناها
يعني: وسقيتها ماء بارداً ، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى {والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان} [الحشر: 9] الآية: أي وأخلصوا الإيمان ، أو ألفوا الإيمان ، ومثال ذلك في المخفوض قولهم: ما كل بيضاء شحمة ، ولا سوداء تمرة: أي ولا كل سوداء تمرة ، وإلى هذه المسألة أشار في الخلاصة بقوله:
وهي انفردت... بعطف عامل مُزال قَدْ بَقي... معمولُه دفعاً لوهْمٍ اتُّقى