4 -ثم وصف سبحانه ذلك الشيطان بقوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ} بالبناء للمفعول؛ أي: كتب على ذلك الشيطان، من الجن والإنس في اللوح المحفوظ، وقضي وقدر عليه في علم الله تعالى، ونائب فاعله {أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ} ؛ أي: أن الشأن من تولى ذلك الشيطان واتخذه وليًا وتبعه {فإنه يضله} بالفتح، على أنه خبر، مبتدأ محذوف؛ أي: فشأن ذلك الشيطان أن يضل من تولاه عن طريق الحق والجنة، {وَيَهْدِيهِ} ويدله {إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} بحمله على مباشرة، ما يؤدي إليه من السيئات، وإضافة العذاب إلى السعير، وهي النار الشديدة الاشتعال بيانية كشجر الأراك، وعن الحسن"أنه اسم من أسماء جهنم".
قال في"التأويلات النجمية": أما الشيطان الجني، فيضله بالوساوس والتسويلات والقاء الشبه، وأما الشيطان الإنسي، فبإيقاعه في مذاهب أهل الأهواء والبدع، والفلاسفة والزنادقة، المنكرين للبعث والمستدلين بالبراهين المعقولة، بالعقول المشوبة بشوائب الوهم والخيال، وظلمة الطبيعة، فيستدل بشبههم ويتمسك بعقائدهم، حتى يصير من جملتهم، ويعد في زمرتهم، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ويهديه بهذه الاستدلالات والشبهات إلى عذاب السعير، سعير القطيعة والحرمان، انتهى.
والمعنى: أي قدر سبحانه أن من اتبع ذلك الشيطان، وسلك سبيله، أضله في الدنيا بما يوسوس له، ويدسي به نفسه، ويزين لها من اتباع الغواية والفجور، وسلوك سبيل المعاصي والآثام، التي توبقه في جهنم وبئس القرار.
وخلاصة ذلك: أنه يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، بما يجترح من السيئات ويتركب من الآثام.
وقرأ الجمهور: {كتب} مبنيا للمفعول، وقرأ أبو عمران الجوني {كتب} بفتح الكاف؛ أي: كتب الله سبحانه، وقرأ الجمهور أنه بفتح الهمزة في موضع المفعول، الذي لم يسم فاعله {فإنه} بفتحها أيضًا، والفاء رابطة جواب من الشرطية إن جعلتها شرطية، أو داخلة في خبر من الموصولة، إن كانت موصولة، وقرأ أبو عمران الجوني {أنه} بفتح الهمزة {فإنه} بكسر الهمزة، وقرأ أبو مجلز وأبو العالية وابن أبي ليلى والضحاك وابن يعمر والأعمش والجعفي {إنه} {فإنه} بكسر الهمزة فيهما.