إنه كائن لا يملك من أمره شيئا ..
ولكن مهلا ، فإن يد القدرة ممسكة بيده .. فانظر كيف تجعل من هذا الطفل رجلا ، كما جعلت من النطفة طفلا! « ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ » .
فها هو ذا الطفل فِي يد القدرة القادرة ، تمدّه بأسباب النّماء والقوة ، يوما بعد يوم وحالا بعد حال .. وإذا هذه الكومة من اللحم المتحركة فِي كيانها المحدود ، تحبو ، ثم تقفز كما تقفز الضفدع ، ثم تمشى على أربع كما تمشى الدواب ، ثم تقوم منتصبة القامة ، تمشى على رجلين .. ثم .. وثم ، وثم .. حتى يبلغ أشده وبصير رجلا ..
وهذا هو الإنسان فِي أتمّ صورة وأكملها .. لقد كمل جسمه ، وعقله ..
وبلغ أشدّه.
واللام فِي قوله تعالى: « لِتَبْلُغُوا » هي لام العاقبة والغاية .. أي غاية النضج الإنسانى ..
وهنا تبدأ لهذا الكائن مسيرة أخرى ..
« وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً » .
وإذ يبلغ الإنسان - مرحلة الشيخوخة - من العمر ، يقف وقفة على عتبة الموت ، أشبه بتلك الوقفة ، التي وقفتها المضغة ، على باب الحياة! فكما كانت المضغة هناك مخلّقة أو غير مخلّقة ، يكون « الشيخ » هنا مخلّقا من حصاد الموت ، أو غير مخلّف ..
وهذا يعني ..
أولا: أن حدود الحياة الإنسانية ، تنتهى غالبا عند مرحلة الشيخوخة ..
حيث يستوفى الإنسان غايته ، ويعطى الحياة كلّ ما عنده ، ويأخذ منها كلّ ما هو قادر على أخذه منها.
وثانيا: أن هذا لا يمنع من أن يسقط على هذا الطريق كثير من الناس ، قبل أن يبلغوا هذه المرحلة .. من أجنّة ، وأطفال ، وصبيان ، وغلمان ، وشباب .. تماما كما تتساقط بعض ثمار الفاكهة ، زهرا ، أو حصرما ، أو رطبا.