وقوله:"إن أحدَكم يُجمع خلقه في بطن أمّه"قد فسّره ابن مسعود ، سئل الأعمش: ما يجمع في بطن أمّه؟ فقال حدّثنا خَيْثمة قال: قال عبد الله: إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوماً ثم تصير دماً في الرّحم ، فذلك جمعها ، وهذا وقت كونها علقة.
الثالثة: نسبة الخلق والتصوير للمَلَك نسبة مجازية لا حقيقية ، وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل بقدرة الله وخلقه واختراعه ؛ ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلْقة الحقيقية ، وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] .
وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 12 13] .
وقال: {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} .
وقال تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} [التغابن: 2] .
ثم قال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] .
وقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .
وقال: {خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] .
إلى غير ذلك من الآيات ، مع ما دلّت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا ربّ العالمين.
وهكذا القول في قوله:"ثم يُرسَل الملك فينفخ فيه الروح"أي أنّ النفخ سببُ خلق الله فيها الروح والحياة.
وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة ؛ فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره.
فتأمّل هذا الأصل وتمسك به ، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبعيين وغيرهم.