وهذه الآية في حَدِّ ذاتها دليل على صدق رسول الله ، وعلى أدبه ، وعلى أمانته في البلاغ عن ربه عز وجل ، وقد أراد الحق سبحانه أن يكون هذا الدرس في ذات الرسول ليكون نموذجاً لغيره ، وحتى لا يستنكف أحد إذا استُدرك عليه شيء ، فها هو محمد رسول الله يستدرك عليه ربه ويُعدِّل له .
فكأن قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله . .} [الكهف: 23 - 24] تربية للأمة في شخصية رسولها حتى لا يستنكف المربَّى من توجيه المربِّي ، ما دام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة ، فإياكم أن ترفضوا استدراك رأي على رأي حتى وإنْ كان من الخَلْق ، فما بالك إنْ كان الاستدراك من الخالق سبحانه ، والتعديل والتربية من ناحيته؟
وإليك مثال لأدب الاستدراك ومشروعية استئناف الحكم ، لقد ورد هذا الدرس في قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]
فكان حكم داود عليه السلام في هذه المسألة أنْ يأخذ صاحب الزرع الغنم التي أكلتْ زرعه ، فلما بلغ سليمان هذه الحكومة استدرك عليها قائلاً: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها ، ويأخذ صاحب الغنم الزرع يُصلحه حتى يعودَ إلى ما كان عليه ، ثم تعود الغنم إلى صاحبها ، والزرع إلى صاحبه .
لذلك قال تعالى بعدها: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ . .} [الأنبياء: 79] ولم يتهم داود بالخطأ ، بل قال: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً . .} [الأنبياء: 79]