وقد قدمنا - أن من أصرح الأدلة على أنه جل وعلا لا يستفيد بالاختبار والابتلاء علماً جديداً سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - قوله تعالى في آل عمران: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [آل عمران: 154] فقوله {والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} بعد قوله {وليبتلي} دليل واضح في ذلك.
وإذا حققت ذلك فمعنى {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ} أي نعلم ذلك علماً يظهر الحقيقة للناس ، فلا ينافى أنه كان عالماً به قبل ذلك دون خلقه.
واختلف العلماء في قوله {أَحصى} فذهب بعضهم إلى أنه فعل ماض و"أَمداً"مفعوله"وما"في قوله"لما لبثوا"مصدرية. وتقرير المعنى على هذا: لنعلم أي الحزبين ضبط أمداً للبثهم في الكهف.
وممن اختار أن {أحصى} فعل ماض: الفارسي والزمخشري. وابن عطين وغيرهم.
وذهب بعضهم إلى أن {أحصى} صيغة تفضيل ،"وأمداً"تمييز. وومن اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما. وجوز الحوفى وأبو البقاء الوجهين.
والذين قالوا: إن {أحصى} فعل ماض قالوا: لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل. لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب قياساً إلا من الثلاثي ،"وأحصى"رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياساً. قالوا: وقولهم: ما أعطاه وما أولاه للمعروف ، وأعدى من الجرب ، وأفلس من ابن المذلق - شاذ لا يقاي عليه ، فلا يجوز حمل القرآن عليه.
واحتج الزمخشري في الكشاف أيضاً لأن {أَحصى} ليست صيغة تفضيل - بأن {أَمداَ} لا يخلو: إما أن ينتصب بأفعل - فأفعل لا يعمل. وإما أن ينتصب ب {لبثوا} فلا يسد عليه المعنى أن لا يكون سديداً عل ذلك القول ، وقال: فإن زعمت نصبه بإضمار فعل يدل عليه {أحصى} كما أضمر في قوله: