الثانية: هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة.
وقد خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فاراً بدينه ، وكذلك أصحابه ، وجلس في الغار حسبما تقدم في سورة"النحل".
وقد نص الله تعالى على ذلك في"براءة"وقد تقدم.
وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم ، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين.
فسكنَى الجبال ودخول الغيران ، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق ، وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء.
وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم العزلة ، وفضّلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس ، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: {فَأْوُوا إِلَى الكهف} .
قال العلماء: الاعتزال عن الناس يكون مرّة في الجبال والشّعاب ، ومرة في السواحل والرِّباط ، ومرة في البيوت ؛ وقد جاء في الخبر:"إذا كانت الفتنة فأخف مكانك وكفّ لسانك".
ولم يخصّ موضعاً من موضع.
وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك ، إن كنت بين أظهرهم.
وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم ، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت.
وروى البغويّ عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم"وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"نعم صوامع المؤمنين بيوتهم"من مراسيل الحسن وغيره.