وقد كان مع الأسف للمسيحية المحرّفة، وهي التي قادت الحضارة في أوربا بعد القرون الوسطى في العالم المتمدن، ولليهودية الثائرة الموتورة دور متشابه - رغم الخلاف الجذري في العقيدة - في توجيه المدنية إلى المادية الرعناء، المجردة من الروح وتعاليم الأنبياء، والتأثير في مصير الإنسانية على حد سواء، فقد بدأت الشعوب المسيحية التي تحررت من رق الكنيسة والبابوات، وضعفت صلتها - إذا لم نقل تقطعت كليّا - بالمسيحية السمحة، المؤسسة على التوحيد الخالص، فاتجهت اتجاها ماديا عنيفا، أصبح يهدد العالم، ومصير الإنسانية بالاكتشافات العلمية الحديثة، والمخترعات المدمرة المبيدة، وفقدان التوازن بين العلم والعاطفة والعقل والضمير،
والصناعة والأخلاق.
وقد ساهم اليهود في العهد الأخير - لأسباب يعود بعضها إلى خصائص النسل والدم، وبعضها إلى التعليم والتربية، وبعضها إلى الغايات السياسية، والمشاريع القومية - بأكبر قسط في العلم والفن، والاكتشافات والاختراع، وفي السيطرة على
هذه الحضارة، وتملك زمامها، وتوجيهها في صالحهم، والتأثير في الأدب والتربية، والسياسة والفلسفة، والتجارة والصحافة، ووسائل التوعية والإعلام، حتى أصبحوا العنصر الفعال الرئيسي في قيادة الحضارة الغربية التي ظهرت في بيئة مسيحية، وفي حضانة شعوب آمنت بالمسيح، واحتضنت اسمه هذا العهد الطويل، ويبدو للناظر المتعمق في الحوادث الأخيرة، والمطّلع على مدى نفوذ اليهودية العالمية في المجتمع الغربي، أن هذه الحضارة وما تحوي عليه من علم وفن، ستبلغ نهايتها السلبية، وتصل إلى ذروتها في قوة التدمير، والهدم والإفساد، والتلبيس والتدجيل، على أيدي اليهود الذين مكّن لهم الغرب المسيحي - بغفلة منه وجهل بمراميهم البعيدة وطبيعتهم الحاقدة - كل تمكين، وأتاح لهم كل فرصة لم يكونوا يحلمون بها قبل قرون، وكانت في ذلك أكبر محنة للإنسانية، وأكبر خطر على العالم، فضلا عن العرب، الذين يكتوون بنارهم، فضلا عن المنطقة المحدودة التي يجري فيها هذا الصراع الحاسم.
لذلك نرى أن لهذه السورة اتصالا وثيقا بالمسيحية واليهودية، فقد تعرّضت للعقيدة المسيحية في مفتتحها، وهكذا تبتدئ السورة الكريمة: