الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً.
وقد كانت السمة البارزة الثانية للحضارة التي نشأت في حضانة المسيحيين، وشبّت وترعرعت تحت رعايتهم، الشغف الزائد بهذه الحياة المحدودة الفانية. والحرص على تمديدها وتزيينها، والمبالغة في إجلالها وتفخيم شأنها، والاتجاه إلى نفي كل ما وراءها، من مثل وقيم وخيرات ونعم، والاقتصار على التنافس في السيطرة على أسبابها وطاقاتها وذخائرها، وهي النقطة التي تلتقي عليها اليهودية معها - رغم ما بينهما من عداء وتناقض - فقد تجرّدت التوراة عن ذكر عالم الآخرة، والحياة الآخرة، والحث على الاستعداد لها، وصرف القوى والمواهب إلى نيل السعادة فيها، وإثارة الحنين والأشواق إلى نعمائها وطيباتها، والإشارة إلى قصر هذه الحياة الدنيا وتفاهتها، وذم حب العلو، والإفساد فيها، والتزهيد في زخارفها ومتاعها القليل، وحطامها الزائل، تجردت عن كل هذه المعاني تجردا يثير العجب، ولا يعقل عن الكتب السماوية المنزلة من الله،
وروحها وطبيعتها، فلا عجب إذا كان تاريخ اليهود تاريخ التنافس على المادة والنهامة للثروة، والكفاح للسيادة (السلالة) والكبرياء القومي، وقد تجلّى ذلك بوضوح في كل ما نسب إليهم من كتب دينية مقدسة، أو صدر عن أقلامهم وقرائحهم من أدب وشعر، وقصص وملاحم، ونبوات وكهانات، أو أثر عنهم من بطولات ومغامرات وحروب وثورات، أو عرف عنهم من إبداعات واختراعات، أو عزي إليهم من أفكار وفلسفات، فإن أندر شيء في كل ذلك، هو الرقة والتواضع، وهضم النفس وإنكار الذات، والاستهانة بالحياة الدنيا، والشوق إلى لقاء الله، والحنين إلى الآخرة، والرحمة بالإنسانية على اختلاف طبقاتها، وأجناسها وأوطانها.