ويحتمل أن يكون منه الحزن؛ إشفاقًا عليهم أن تتلف أنفسهم في النار بتركهم الإيمان، أو كانت نفسه تغضب عليهم؛ بتركهم الإجابة، والقول في اللَّه سبحانه على ما قالوا فيه، وكلاهما يجوزان، إذا كان ذلك لله كادت نفسه أن تتلف حزنًا عليهم؛ إشفاقًا منهم، أو كادت تتلف غضبًا عليهم، وفيه دلالة أنه لم يكن يقاتل الكفرة، للقتل والتلف، ولكن كان يقاتلهم؛ ليسلموا حيث كادت نفسه تتلف؛ إشفاقًا عليهم منه؛ فلا يحتمل أن يكون يقاتلهم للقتل وفي القتل ترك الشفقة، ولكن كان يقاتلهم، ليضطرهم القتال إلى الإسلام، فيسلموا فلا يهلكوا، وفيه تذكير للمسلمين وتنبيه لهم من وجهين.
أحدهما: ما أخبر عن عظيم محل الذنوب في قلبه، فلعل ذلك يؤذيه، فيلحقهم اللعن؛ كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ...) الآية، وفي ذلك زجر عن ارتكاب ما يسوءه، ويؤذيه.
والثاني: تعليم منه لأمته: أن كيف يعامل الكفرة وأهل المناكير منهم، يقاتلون في الظاهر، ويضمرون الشفقة لهم في القلب على ما فعل بهم رسول اللَّه، وعاملهم.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) سمى القرآن: حديثًا، وهو ما قال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) ، سماه بأسامٍ: قصصًا، وحديثًا، وذكرًا، وروحًا، وأمثاله.
والنهاية في الحزن والغضب للأنبياء، أنفسهم تقوم لهذين، وأما غيرهم من الخلائق، فلا تحتمل أنفسهم إلا لأحدهما إذا كان الحزن؛ ذهب الغضب وإذا جاء الغضب ذهب الحزن؛ فالأنبياء هم المخصوصون بهذا.
وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ - (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(7)
اختلف فيما أخبر أنه جعل للأرض زينة: