المعنى الرابع: ويجوز أن يكون المعنى أن ذا القرنين هو كان في العين الحمئة، والحامية حمية من حماتها، حامية من استحرارها، كما تقول رأيتك في البحر تريد أنك إذ رأيته كنت أنت في البحر، وبرهان هذا: أن مغربها الشتوي إذا كانت من آخر رأس الجدي إلى آخر مغربها الصيفي إذا كانت من رأس السرطان مرئي مشاهد ومقداره ثمان وأربعون درجة من الفلك، وهو يوازي من الأرض كلها بالبرهان الهندسي أقل من مقدار السدس، يكون من الأميال نحو ثلاثة آلاف ميل ونيف، وهذه المساحة لا يقع عليها في اللغة اسم عين البتة، لا سيما أن تكون عينًا حمية حامية، وباللغة العربية خوطبنا، فلما تيقنا بأنها عين بإخبار الله - عز وجل - الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، علمنا يقينًا أن ذا القرنين انتهى به السير في الجهة التي مشي فيها من المغارب إلى العين المذكورة، وانقطع له إمكان المشي بعدها لاعتراض البحار له هناك، وقد علمنا بالضرورة أن ذا القرنين وغيره من الناس ليس يشغل من الأرض إلا مقدار مساحة جسمه فقط قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، ومن هذه صفته فلا يجوز أن يحيط
بصره من الأرض كما يظن أهل الجهل، ولا بد أن يلقى خط بصره من حدبة الأرض أو من نشز من أنشازها ما يمنع الخط من التماري، إلا أن يقول قائل إن تلك العين هي البحر فلا يجوز أن يسمى البحر في اللغة عينًا حمئة ولا حامية، وقد أخبر الله - عز وجل - أن الشمس تسبح في الفلك، وأنها إنما هي في الفلك سراج، وقول الله تعالى هو الصدق الذي لا يجوز أن يختلف أو يتناقض، فلو غابت في عين من الأرض كما يظن أهل الجهل أو في البحر لكانت الشمس قد زالت عن السماء وخرجت عن الفلك، وهذا هو الباطل المخالف لكلام الله - عز وجل - حقًا، نعوذ بالله من ذلك. ولا سيما مع ما قام البرهان عليه أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض.
برهان آخر قاطع: وهو قول الله - عز وجل: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وقرئ {حَامِيَةً} ، {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} فصح ضرورة أنه وجد القوم عند العين لا عند الشمس، ومن كان عند العين فهو في العين.
الوجه السابع: آيات سورة (يس) تزيل الإشكال.