لم تكن هذه الأولية اعتباطية، ولا الحكم بها مفاجئاً، فهما يصدران عن رأي رصين لأن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 175 هـ) هو أول من وضع الصوت اللغوي موضع تطبيق فني في دراسته اللغوية التي انتظمها كتابه الفريد (العين) بل هو أول من جعل الصوت اللغوي أساس اللغة المعجمي، فكان بذلك الرائد والمؤسس.
لا أريد التحدث عن أهمية كتاب العين في حياة الدرس اللغوي ولكن أود الإشارة أن كتاب العين ذو شقين: الأول المقدمة، والثاني الكتاب بمادته اللغوية وتصريفاته الإحصائية المبتكرة التي اشتملت على المهمل والمستعمل في لغة العرب.
والذي يعنينا في مدرسة الخليل الصوتية مواكبة هذه المقدمة في منهجيتها لتبويب الكتاب، وبيان طريقته في الاستقراء، وإبداعه في
الاحصاء، ورأيه في الاستنباط ومسلكية التصنيف الجديد، والأهم الذي نصبو إليه «إن مقدمة العين على إيجازها؛ أول مادة في علم الأصوات دلت على أصالة علم الخليل، وأنه صاحب هذا العلم ورائده الأول» .
يبدأ الخليل المقدمة بالصوت اللغوي عند السطر الأول بقوله: «هذا ما ألفه الخيل بن أحمد البصري من حروف:
أ. ب. ت. ث ... ».
وأضاف أنه لم يمكنه «أن يبتدئ التأليف من أول: أ، ب، ت، ث، وهو الألف، لأن الألف حرف معتل، فلما فاته الحرف الأول كره أن يبتدئ بالثاني ـ وهو الباء ـ إلا بعد حجة واستقصاء النظر، فدبّر ونظر إلى الحروف كلها، وذاقها فوجد مخرج الكلام كله من الحلق، فصيّر أولاها بالابتداء أدخل حرف في الحلق» .
ومعنى هذا أن الخليل قد أحاط بالترتيب (الألفبائي) من عهد مبكر، ولم يشأ أن يبتديء به مع اهتدائه إليه، لأن أول حرف في هذا النظام حرف معتل، ولا معنى أن يبتدئ بما يليه وهو الباء لأنه ترجيح بلا مرجح، وتقديم دون أساس، فذاق الحروف تجريبياً، فرأى أولاها بالابتداء حروف الحلق، وذاقها مرة أخرى، فرأى (العين) أدخل حرف منها في الحلق، بل في أقصى الحلق.