وكما إن الله تعالى خلق من التراب موجودات ، كالإنسان بما فيه من أجهزة معقدة محيّرة ، وكأنواع الطيور الجميلة الرائقة ، والأحياء المتنوعة ، والنباتات والزهور المختلفة ، وكما إننا ننتج من هذا التراب نفسه ألوان المصنوعات ، كذلك الله سبحانه خلق من هذه الحروف الهجائية المتداولة ، موضوعات ومعان سامية ، فِي قوالب لفظية جميلة ، وعبارات موزونة ، وأسلوب خاص مدهش معجز ، وهذه الحروف الهجائية موجودة تحت تصرف الإنسان ، لكنه عاجز عن صنع جمل وعبارات شبيهة بالقرآن.
الأدب فِي العصر الجاهلي:
من المهم أن نذكر هنا أن العصر الجاهلي كان عصراً ذهبياً للأدب العربي.
فالوثائق المتوفرة بأيدينا تشير إلى أن العرب الحفاة الجفاة الجاهليين ، كانوا يتمتعون بذوق أدبي رفيع. وما وصلنا من شعر ونثر من تلك الفترة ، يشير إلى قدرة أُولئك على التعبير الجميل الدقيق ، ويحتل ذروة الفصاحة فِي الأدب العربي.
وكان للأدب سوق رائجة تدلّ على اهتمام العرب بلغتهم وآدابهم ، و (سوق عكاظ) وأمثالها من الأسواق الأدبية تعكس هذا الاهتمام بوضوح.
والسوق المذكور كان يشهد - إضافة إلى المعاملات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية - حركة أدبية تعرض خلالها أفضل مقطوعات الشعر والنثر ، ويتم فيها انتخاب أفضل ما قيل من النظم خلال العام ، و (المعلقات السبع) أو (العشر) نموذج لذلك ، وكانت القصيدة الفائزة تعدّ فخراً كبيراً للشاعر ولقبيلته.
في مثل هذا العصر من الانتعاش الأدبي ، يتحدى القرآن النّاس أن يأتوا بمثله ، ولكنهم عجزوا.
ثم قال:
وهناك ملاحظة تؤيد ما ذهبنا إليه فِي تفسير معنى الحروف المقطعة ، وهي أن هذه الحروف فِي السور الأربع والعشرين التي ذكرناها ، يتلوها مباشرة ذكر لعظمة القرآن ، وهذا يدل على الارتباط بين الحروف المقطعة وعظمة القرآن. وعلى سبيل المثال نذكر الآيات التالية:
1 - (الر ، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكيم خَبِير) .